الفيض الكاشاني
20
أنوار الحكمة
وعيانا ، وإن كان أصل المعرفة فطريّا ضروريا ، أو يهتدى إليه بأدنى تنبيه . فلكلّ طريقة هداه اللّه [ عزّ وجلّ ] إليها إن كان من أهل الهداية ، و « الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق » « 1 » و هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [ 3 / 163 ] و يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ 58 / 11 ] . سرّ نوريّ [ اللّه تعالى أظهر الموجودات وسبب غفلتنا عن ذلك ] قال بعض العلماء « 2 » : اعلم أنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو اللّه تعالى « 3 » ، فكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أوّل المعارف وأسبقها إلى الأفهام ، وأسهلها على العقول ، ونرى الأمر بالضدّ من ذلك ؛ فلا بدّ من بيان السبب فيه . وإنّما قلنا : « إنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو اللّه تعالى » لمعنى لا تفهمه إلّا بمثال : وهو أنّا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط - مثلا - كان كونه حيّا من أظهر الموجودات ، فحياته وعلمه وقدرته للخياطة ، أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة ؛ إذ صفاته الباطنة - كشهوته وغضبه وخلقه وصحّته ومرضه ، وكلّ ذلك - لا نعرفه ، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها ، وبعضها نشكّ فيه - كمقدار طوله ، واختلاف لون بشرته ، وغير ذلك من صفاته - ؛ أمّا حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا ، فإنّه جليّ عندنا من غير أن يتعلّق حسّ البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإنّ هذه الصفات لا تحسّ بشيء من الحواسّ الخمس .
--> ( 1 ) نسب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( جامع الأسرار : 8 ) ولم أعثر عليه في الجوامع الروائية . ( 2 ) الغزالي : إحياء علوم الدين ، كتاب المحبّة والشوق ، بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة اللّه تعالى : 4 / 464 - 467 . راجع أيضا الوافي : 4 / 59 . ( 3 ) في هامش مل : « لأنّ كلّ ما هو أقوى وجودا فهو أشدّ ظهورا ؛ إذ الوجود هو النور ؛ واللّه أقوى الموجودات لأنّ وجودات ما سواه منه وبه حصلت ، وبإشراق ذاته عليها ظهرت - منه دام فيضه » .